عبد الرحمن بن ناصر السعدي

564

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

شرع لكم التوبة ، وجعل العقوبة مطهرة للذنوب . * ( إذ تلقونه بألسنتكم ) * أي : تتلقفونه ، ويلقيه بعضكم إلى بعض وتستوشون حديثه ، وهو قول باطل . * ( وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) * والأمران محظوران ، التكلم بالباطل ، والقول بلا علم . * ( وتحسبونه هينا ) * فلذلك أقدم عليه ، من أقدم ، من المؤمنين ، الذين تابوا منه ، وتطهروا بعد ذلك . * ( وهو عند الله عظيم ) * وهذا فيه الزجر البليغ ، عن تعاطي بعض الذنوب على وجه التهاون بها ، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا ، ولا يخفف من عقوبته ، الذنب ، بل يضاعف الذنب ، ويسهل عليه مواقعته ، مرة أخرى . * ( لولا إذ سمعتموه ) * أي : وهلا إذ سمعتم أيها المؤمنون كلام أهل الإفك . * ( قلتم ) * منكرين لذلك ، معظمين لأمره : * ( ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ) * أي : ما ينبغي لنا ، وما يليق بنا الكلام ، بهذا الإفك المبين ، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح * ( هذا بهتان ) * أي : كذب عظيم . * ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله ) * أي : لنظيره ، من رمي المؤمنين بالفجور ، فالله يعظكم ، وينصحكم عن ذلك ، ونعم المواعظ والنصائح ، من ربنا فيجب علينا مقابلتها ، بالقبول والإذعان ، والتسليم والشكر له ، على ما بين لنا * ( إن الله نعما يعظكم به ) * . * ( إن كنتم مؤمنين ) * دل ذلك على أن الإيمان الصادق ، يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات . * ( ويبين الله لكم الآيات ) * المشتملة ، على بيان الأحكام ، والوعظ ، والزجر ، والترغيب ، والترهيب ، يوضحها لكم توضيحا جليا . * ( والله عليم ) * أي : كامل العلم * ( حكيم ) * عام الحكمة . فمن علمه وحكمته ، أن علمكم من علمه ، وإن كان ذلك ، راجعا لمصالحكم في كل وقت . * ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ) * أي : الأمور الشنيعة المستقبحة ، فيحبون أن تشتهر الفاحشة * ( في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ) * أي : موجع للقلب والبدن ، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين ، ومحبة الشر لهم ، وجراءته على أعراضهم ، فإذا كان هذا الوعيد ، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة ، واستحلاء ذلك بالقلب ، فكيف بما هو أعظم من ذلك ، من إظهاره ، ونقله ؟ وسواء كانت الفاحشة ، صادرة ، أو غير صادرة . وكل هذا ، من رحمة الله لعباده المؤمنين ، وصيانة أعراضهم ، كما صان دماءهم وأموالهم ، وأمرهم بما يقتضي المصافاة ، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه ، ويكره له ، ما يكره لنفسه . * ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) * فلذلك علمكم ، وبين لكم ما تجهلونه . * ( ولولا فضل الله عليكم ) * قد أحاط بكم من كل جانب * ( ورحمته وأن الله رؤوف رحيم ) * لما بين لكم هذه الأحكام والمواعظ ، والحكم الجليلة ، ولما أمهل من خالف أمره ، ولكن فضله ورحمته ، وأن ذلك وصفه اللازم آثر لكم من الخير الدنيوي والأخروي ، ما لن تحصوه ، أو تعدوه . ولما نهى عن هذا الذنب بخصوصه ، نهى عن الذنوب عموما فقال : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ) * أي : طرقه ووساوسه . وخطوات الشيطان ، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان والبدن . ومن حكمته تعالى ، أن بين الحكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان . والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه ، من الشر المقتضى ، والداعي لتركه فقال : * ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه ) * أي : الشيطان * ( يأمر بالفحشاء ) * أي : ما تستفحشه العقول والشرائع ، من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه . * ( والمنكر ) * وهو : ما تنكره العقول ولا تعرفه . فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان ، لا تخرج عن ذلك . فنهى الله عنها العباد ، نعمة منه عليهم ، أن يشكروه ويذكروه ، لأن ذلك ، صيانة لهم عن التدنس بالرذائل ، والقبائح . فمن إحسانه عليهم ، أن نهاهم عنها ، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها . * ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ) * أي : ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان ، لأن الشيطان يسعى ، هو وجنده ، في الدعوة إليها وتحسينها ، والنفس ميالة إلى السوء ، أمارة به ، والنقص مستول على العبد ، من جميع جهاته ، والإيمان غير قوي . فلو خلي وهذه الدواعي ، ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب ، والسيئات ، والنماء بفعل الحسنات ، فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء . ولكن فضله ورحمته أوجبا ، أن يتزكى منكم ، من تزكى . وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ) ولهذا قال : * ( ولكن الله يزكي من يشاء ) * من يعلم منه أن يتزكى بالتزكية ، ولهذا قال : * ( والله سميع عليم ) * . * ( ولا يأتل ) * أي : لا يحلف * ( أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ) * . كان من جملة الخائضين في الإفك ( مسطح بن أثاثة ) وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه . وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله . فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه ، لقوله الذي قال . فنزلت هذه الآية ، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه ، ويحثه على العفو والصفح ، ويعده بمغفرة الله ، إن غفره له فقال :